يقرأ حاليا
العلاقة بين المغرب وفرنسا.. أزمة صامتة ومصالح مُشتركة
FR

العلاقة بين المغرب وفرنسا.. أزمة صامتة ومصالح مُشتركة

تتجدد ذكرى ثورة الملك والشعب ليجدد معها الملك محمد السادس، دعوته الواضحة والصريحة للشركاء الاستراتيجيين والحلفاء التقليديين للمملكة من أجل اتخاذ موقف واضح من قضية الصحراء المغربية. قضية يعتبرها ملك البلاد وشعبه “النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو معيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”.

 

وأضاف الملك مشددا في خطابه، أنه على “شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل.

خطاب يتزامن وانتشار تقارير إعلامية محلية ودولية، تؤكد على وجود أزمة خفية بين الرباط وباريس. أمر جعل خبراء العلاقات الدولية وخاصة منهم المهتمين بملف الصحراء يؤكدون على أن فرنسا هي المقصود الأول بهذا الخطاب.

في هذا السياق أكد خبير العلاقات الدولية، تاج الدين الحسيني في تصريح لـ “نقاش21” أن “هناك أزمة صامتة بين الطرفين، ولكن بين الحين والآخر تظهر واضحة المعالم، ومن بين المؤشرات التي أظهرتها بوضوح هي أزمة التأشيرات. حتى وإن جعل البعض الأمر يتعلق بجل الدول المغاربية، إلا أن الأمر أخذ مع المغرب طابعا استثنائياً”.

ع”لى اعتبار أن الأمر لا يعلق بمنع التأشيرات بالنسبة للأشخاص الذين لا يتوفرون على ضمانات للعودة إلى الوطن، ليضيف المحلل أن الأمر شمل أيضا أطرا، بل إن الأمر هَم كذلك بعض الوزراء السابقين وبعض المهنيين في القطاع الخاص، ومن لهم إمكانيات لا بأس بها تضمن لهم العودة إلى بلدهم. وبالتالي فإن القرار سياسي اتخذ من أعلى مستوى من أجل ممارسة نوع من الضغط على المغرب بطريقة أو بأخرى”، يضيف تاج الدين الحسيني.

كل هذه المؤشرات، يمكن أن نضيف إليها حسب خبير العلاقات الدولية، النكهة الجديدة التي طبعت سلوك ماكرون من خلال ضمه لمستشارين شباب ذوي توجهات اشتراكية متطرفة إلى ديوانه. وهؤلاء المتشبعين بالفكر الماركسي اللينيني، قد يتعاطفون أكثر مع الأطروحة الجزائرية فيما يتعلق بالاستفتاء وهذا التأثر يظهر واضحا في موقف فرنسا في عدم سلك نفس المسار الذي اتخذته إسبانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي نفس السياق، أكدت رئيسة المركز الدولي للدبلوماسية، كريمة غانم في تصريحها لـ“نقاش 21”  أن” خطاب جلالة الملك كان واضحا فيما يتعلق بمواقف الدول الحليفة من قضية الصحراء المغربية مع وجوب خروجها من المنطقة الرمادية، مما زاد “من تعميق التوتر القائم بين البلدين خصوصا أن جل الخطابات الأخيرة لجلالة الملك كانت حازمة فيما يخص مواقف الدول بشأن قضية الصحراء. وبما أن فرنسا لها علاقات اقتصادية مهمة مع المغرب، فإن مصالح هاته الأخيرة باتت على المحك خصوصا بعد تنويع المغرب لشركائه الاقتصاديين والتقارب الثلاثي بين المغرب وأمريكا وإسرائيل. أيضا المغرب كان جد واضحا بالنسبة لشروط اتفاقياته الاقتصادية والتي لن تمر دون الأقاليم الجنوبية”.

وأردفت المتدخلة موضحة أسباب احتدام التوتر، قائلة أنه منذ تجديد ولاية الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، والذي فشل في تدبير علاقة فرنسا الخارجية مع كل من المغرب والجزائر وبات التصدع الأوروبي بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، يضعف مدى تأثير السياسة الفرنسية في افريقيا وخصوصا في منطقة شمال إفريقيا.

استقلالية اتخاذ القرار وتنويع الشركات

قال تاج الدين الحسيني إن المغرب “منذ 2015 أصبح يتخذ مواقف جديدة في دبلوماسيته، مواقف ترتبط بحماية سمعته وسيادته بشكل أقوى مما كان عليه في الماضي. وألا يضع بيضه في سلة واحدة مع تنويع شراكاته الاستراتيجية وتعميقها مما أصبح يشكل مدخلا لتحقيق الاستقلالية في اتخاذ القرار؛ وبالتالي الابتعاد أكثر عن التبعية الفرنسية”.

“نفس الأمر بالنسبة للأوضاع داخل القارة السمراء فعوض أن يلعب المغرب دور ممثل لفرنسا بها نزل بثقله الدبلوماسي والاقتصادي ليصبح فاعلا بداخلها حيث نجد أن أضحى يستثمر أكثر بدول إفريقيا، بل يعد المستثمر الأول في غرب البلدان الافريقية والثاني في القارة وذلك تحت سياسة جنوب-جنوب، وبالتالي أصبحت تشعر فرنسا بأن المغرب يخرج من هيمنتها نحو تحقيق مصالحه الخاصة أو لخدمة مصالح دول أخرى رشحت المغرب للعب دور الوسيط على بينها وبين البلدان الإفريقية”. يقول المتحدث ذاته. 

ومن بين الأسباب التي تؤدي أيضا إلى هذه الوضعية حسب تاج الذين، مسألة التنافس الاقتصادي حيث دخلت مجموعة من الشركات من مختلف البلدان للتنافس على مجموعة من الصفقات والاستثمارات في مختلف المجالات الاقتصادية حيث لم تعد فرنسا هي العنصر الوحيد، وهذا عنصر مهم في التأثير على علاقة الطرفين.

نتائج دبلوماسية حققتها المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة، جعلت فرنسا مجبرة على مراجعة مواقفها إزاء قضية الصحراء المغربية، خاصة وأن المغرب اليوم أصبح حاسما فيما يخص وحدته الترابية وشراكاته المبنية على منطق رابح رابح.

مما جعل باريس حسب رئيسة المركز الدولي للديبلوماسية تجد “نفسها في موقف حرج إزاء المغرب في قضية الصحراء المغربية بعدما اعترفت دول وازنة بمغربية الصحراء وساندت بكل وضوح مبادرة الحكم الذاتي، ومنها دول لم يكن متوقعا تغيير مواقفها مثل ألمانيا وإسبانيا وقبلها أمريكا وتلتها العديد من الدول. 

قمة ثلاثية ومصالح اقتصادية

رغم أن هناك اشاعات ترمي إلى وساطة فرنسية وقمة ثلاثية مع المغرب والجزائر وفرنسا، خصوصا عقب الزيارة الرسمية المزمع عقدها من طرف الرئيس الفرنسي إلى الجزائر في الأيام المقبلة، لكن حسب رئيسة المركز الدولي للدبلوماسية فإن “المحرك الرئيسي هو الهاجس الاقتصادي، بحيث تتحضر فرنسا لخريف بارد، في ظل إكراهات الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على توريدات المحروقات والغاز، وتراجع النمو الاقتصادي، ومساعي الاتحاد الأوروبي لمنع استيراد الغاز الروسي”.

إقرأ أيضا

في نفس الاتجاه شدد خبير العلاقات الدولية أنه “لم يتم التأكيد هذا الخبر من طرف الجهات الرسمية، فالأمر لحدود الساعة يضل مجرد مزايدات إعلامية. لكن لا ننكر أنه من الممكن عقد هذه القمة بوساطة فرنسية خدمة لمصالحها بالأساس، وحماية لها. فالمصالحة بين الجارين ستعود لا محال بالنفع على المصالح الفرنسية مما يجعل ماكرون يفكر في مثل هذه القمة”.

مستقبل الأزمة

مثل هذه الأزمة في اعتقاد تاج الدين الحسيني، لن تستمر طويلا بالنظر لأن العلاقات المغربية الفرنسية محكوم عليها بالاستمرار حتى في أصعب الأزمات بالنظر لأن فرنسا لا يمكنها المجازفة باستثماراتها الاقتصادية بالمملكة، أو بإيرادات القطاع السياحي وأكثر من ذلك فالبلدين تربط بينهم علاقات ثقافية قوية خاصة فيما يتعلق بالبعثات الثقافية الفرنسية بالمغرب، وبالتالي ففرنسا لا يمكنها أن التخلي عن مصالحها المشترك مع المغرب.

وأضاف موضحا أن جل البلدان الديمقراطية تؤمن بنظرية مهم في العلاقات الدولية وهي نظرية الواقعية السياسية التي تقوم بحفض مصالح الدولة وبالتالي لا أعتقد أن فرنسا سوف تخرج عن هذه النظرية كما أن أليات القرار ستخضع لما سيكون كنتيجة لمصالحها الحيوية.     

وتابع: إن هذه ليست هي المرة الأول من نوعها التي تقع أزمة بين البلدين، حيث مروا من أزمات سواء تعلق الأمر في عهد الرئيس الفرنسي السابق دراكون فيما يتعلق بقضية المهدي بن بركة، أو فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان في عهد ميتران.

علاوة على أن المملكة دخلت في أزمات دبلوماسية أكثر حدة مع دول أوربية وازنة مثل إسبانيا وألمانيا لكن عادت العلاقات أفضل مما كانت عليه.

وبالتالي فهي الآن حسب رئيسة المركز الدولي للدبلوماسية، “مطالبة بالخروج من منطقتها الرمادية كونها الشريك التقليدي والاقتصادي للمملكة المغربية. وأن تلجأ للحوار بدلا من أوراق الضغط التي تحاول أن تنهجها على المغرب، كرفض بنسبة 70% تأشيرات المغاربة دون مبرر وأن يتم إعادة العلاقة بين البلدين على قواعد سليمة، بعيدة عن الضغوطات السياسية واللعب على حبلين في ظل الأزمة بين المغرب والجزائر”.

انتقل إلى أعلى