يقرأ حاليا
أزمة الجزائر وباريس.. هل رأي ماكرون صائب بإعلانه “وهم” دولة الجزائر؟
FR

أزمة الجزائر وباريس.. هل رأي ماكرون صائب بإعلانه “وهم” دولة الجزائر؟

اندلعت من جديد أزمة سياسية، ودبلوماسية، بين الجزائر وفرنسا، وذلك إثر حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن “وهم” الأمة الجزائرية، أمام شباب فرنسين من أصل جزائري، أثناء استقبالهم بقصر الاليزيه، لمناقشة مسألة “مصالحة الشعوب”، متسائلا: هل “كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار؟.

 

 وفي تعقيبه على مداخلة أحد الشباب، الذين قالوا إن الجزائريين لا يكنّون كراهية لفرنسا، قال ماكرون: “أنا لا أتحدث عن المجتمع الجزائري في أعماقه، ولكن عن النظام السياسي العسكري، الذي تم بناؤه على هذا الريع المرتبط بالذاكرة. أرى أن النظام الجزائري متعب وقد أضعفه الحراك”.

وأضاف ماكرون: “أنا شخصيا كان لي حوار جيد مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لكنني أرى أنه عالق داخل نظام صعب للغاية”.

وفي ردها عن تصريحات ماكرون، عبرت الرئاسة الجزائرية، في بيان لها، يوم أمس الأحد، عن رفضها القاطع لما وصفته بـ”التدخل غير المقبول، في شؤونها الداخلية”، كما قامت بحضر تنقل الطائرات العسكرية الفرنسية فوق سماء الجزائر”.

ويأتي هذا التطور، وسط توتر مستمر بين البلدين، وغداة هذا التصريح، تم استدعاء الجزائر سفيرها في فرنسا للتشاور على خلفية تصريحات منسوبة للرئيس ماكرون، وذلك عقب أيام على استدعائها السفير الفرنسي، على خلفية قضية خفض باريس التأشيرات الممنوحة لمواطني الجزائر والمغرب وتونس.

ولم يكن ماكرون أول رئيس فرنسي يقول هذا الكلام، عن تاريخ الجزائر، فقد سبقه إلى ذلك الجنرال شارل ديغول سنة 1959، الذي أعلن عن استعداده منح الجزائريين حق تقرير المصير في ظرف زمني لا يزيد عن 4 سنوات، موردا أنه سيطرح السؤال على الجزائريين بصفتهم “أفرادا” لأنه، وحسب كلامه، “منذ بداية التاريخ لم هناك أي سبب قوي للسيادة الجزائرية”.

فبركة الذاكرة التاريخية

اعتبر عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أن كلام الرئيس ماكرون يحمل لامسة حقيقة تبثها جنرالات الجزائر في ديباجة دستورهم الجديد، إذ قفزوا على العديد من المراحل التاريخية واختزلوا تاريخ الجزائر في العهد النوميدي إلى الفتح الإسلامي ثم إلى الحروب التحريرية حول الاستعمار، فهل كانوا يعْنـُون بالاستعمار فقط الاستعمار الفرنسي؟ أم أيضا فترات الإمبراطورية العثمانية، وفترات بسط سلاطين المغرب حكمهم على مناطق شاسعة في الجارة الشرقية؟ وهل الهدف من تزوير الحقائق التاريخية وتفصيلها على مقاسات جنرالات الجزائر هو رهن مستقبل الجزائر بمصير “الحرس القديم”؟

وأوضح بوصوف في مقال رأي بعنوان: “ماكرون ينسف فبركة الذاكرة التاريخية من طرف النظام الجزائري”، قائلا: “لقد كانت مدفعية ماكرون موجهة أساسا للنظام العسكري الجزائري، ودون الرئيس الذي ظهر كما يبدو من خلال كلام ماكرون، أنه ليس سيد قراراته ومغلوب على أمره. لذلك وصف النظام الجزائري بالسياسي العسكري وجمعها في مؤسسة واحدة وليس مؤسستين مختلفتين، بل النظام العسكري هو من يقود البلاد من داخل ثكنات عسكرية ببدلات عصرية وربطات العنق، وليس من داخل المؤسسات الديمقراطية كمقرات البرلمان والحكومة”.

“أكثر من هذا سيُضيف ماكرون أن هذا النظام “العسكري” بُني على “الريع المرتبط بالذاكرة”، وهو بهذا يعري عن حقيقة عيش جنرالات الجزائر على أنقاض جثث المقاومين الأحرار والمحافظة على امتيازات السلطة باسم شرعية مقاومة الاحتلال” يقول بوصوف .

وأضاف بوصوف في مقاله أن “عمليات نسج أحداث وخلق أساطير تُرضي طموحاتهم الشخصية وتضمن لهم الخلود في السلطة على رقاب الشعب باسم الدستور، الذي تضمن فقرات تمجد وتقدس العسكر في الجزائر، وتجعل الشعب مدينا للعسكر إلى أجل غير مسمى، فهذا يدخل في نطاق ريع الذاكرة التاريخية”.

إقرأ أيضا

“كما يتجلى ريع الذاكرة التاريخية أيضا، يضيف بوصوف ” في عدم رغبة جنرالات الجزائر في الخروج من أساطيرهم وتخيلاتهم والمشاركة الفعلية والعلمية في إطار “لجنة الذاكرة والحقيقة” والتي جاءت كإحدى توصيات المؤرخ الفرنسي ذو الأصول الجزائرية “بنجامين ستورا” في تقريره “ذاكرة الاستعمار والحرب الجزائرية” الذي قدمه للرئيس ماكرون في يناير 2021، وهو بالمناسبة التقرير الذي رفضته الجزائر وبعض مؤرخي الثكنات العسكرية الذين وصفوا التقرير تارة أنه يتماهى مع التوجه اليميني الفرنسي وتارة أخرى يخدم أجندات انتخابية”.

“لكننا نعتقد ان كلام الرئيس ماكرون يحمل تحدي قوي للنظام العسكري الجزائري المنهك بفعل الحراك الشعبي منذ فبراير 2019، وأن هذا التحدي جاء بعد اطلاعه حتما على الأرشيف الفرنسي/الجزائري وأيضا ما جاء به تقرير المؤرخ سْـتورا. ومما زاد من قوة حديث ماكرون هو قوله من داخل القصر الرئاسي الفرنسي الإليزيه في لقاء وصف بمصالحة الشعوب وجرح الذاكرة، وأمام شباب عشريني فرنسي مزدوج الجنسية ينحدر من أفراد الجيش الشعبي والحركي والأقدام السوداء” على حد قول بوصوف.

استعمار فرنسي وتركي

 قامت فرنسا، باحتلال الجزائر لمدة 132 عاما، خلال الفترة ما بين 1830 و1962، وقبلها كان هذا البلد المغاربي جزءا من الإمبراطورية العثمانية لما يزيد عن 3 قرون، بدأت إرهاصاتها بمحاولة تحصين مدينة “القسطنطينية” التي تحول إلى “إسطنبول” وأضحت عاصمة الحكم العثماني في منتصف القرن 15، حيث سعى السلاطين المتعاقبون على حمايتها من هجمات الأوروبيين المحتملة من غرب البحر الأبيض المتوسط، وانتهت بضم الأراضي الجزائرية بشكل كامل.

وحل الأتراك بالسواحل الجزائرية في بدايات القرن 16 عبر أسطول حربي قاده 3 إخوة، هم عروج وخير الدين وإسحاق أبناء يوسف الفخارجي، والذين سيُعرفون فيما بعد بأصحاب اللحى الحمراء أو “باربا روسا” باللغة الإسبانية التي ستُحور فيما بعد إلى “بارباروس”، وستكون مهمتهم في الأصل هي حماية سواحل شمال إفريقيا من هجمات الإسبان، وفي عام 1514، وبعد وفاة عروج بارباروس، سيعلن شقيقه وخليفته خير الدين بربروس باشا ضم الجزائر إلى الدولة العثمانية.

انتقل إلى أعلى