يقرأ حاليا
المغرب وألمانيا.. المسافة بين النوايا والأفعال
FR

المغرب وألمانيا.. المسافة بين النوايا والأفعال

كثيرا ما تتساءل برلين عن السبب في “الغضبة المغربية” من بلاد بيسمارك والسفير ططنباخ، دون أن تتوصل إلى فهم عملي لذلك. والدليل على الأمر، سعيها الحثيث فعليا للفهم، على مستويات تواصلية مختلفة.

 

يمكن للمرء الجزم من البداية أن الجواب عن كل التساؤلات الألمانية (رسمية وإعلامية)، كامن في بساطة إدراك أن المغرب ينتظر الأفعال وليس مجرد النوايا. مما يعني أن الكرة في برلين وليست في الرباط.

صحيح أن منطق الأمور يفرض تقدير السياقات وتقدير وزن العلاقات ووزن الدول في كل علاقة ديبلوماسية. وأنه بمنطق الأمور، طبيعي أن يفهم أن المغرب في حاجة أكبر لألمانيا، مما هي برلين في حاجة إلى الرباط، تأسيسا على معطى وزن بلاد السيدة ميركل في كامل القارة العجوز وضمن مؤسستها التنظيمية الوازنة “الإتحاد الأروبي”. وأن الشراكة المغربية مع “الإتحاد” هي شراكة استراتيجية محورية تكاد تشكل حبل سرة لدورة الإنتاج الإقتصادية ببلادنا. وبالإستتباع، فإن حسن رضى برلين علينا من أوكد ما يجب أن نحرص عليه في ضفتنا المغربية.

لكن، المشكلة الجدية في الأمر، هي أن هذه النظرة ليست سليمة تماما. هي وجيهة نعم، ولها أسبابها المقنعة، لكنها ليست متصالحة مع الواقع الجديد لا لموقع المغرب ولا لموقع ألمانيا، كل في مجال تحركه وفضاء تفاعله. مما يلزم القطع مع منطق التعالي في الرؤية للواقعة المغاربية والمتوسطية والإفريقية والشرق أوسطية، التي موقع المغرب فيها فاعل ومؤثر وله وزنه (حسب إمكانياته الذاتية)، من قبل دول الشمال المتوسطي وفي المقدمة منهم برلين.

المشكلة الأخرى، كامنة في أنه كما لو أن الأنتلجنسيا الجرمانية، صانعة النخب وناحتة السياسات، تعيد اكتشاف جنوبها المتوسطي (حتى لا أقول عمقها المتوسطي)، بعد سنوات من تجسير علاقتها السيامية مع شرق أروبا ومع روسيا بوتين. حيث ظلت زلتها الكبيرة، في أنها بقيت ترى إلى الجنوب المتوسطي من زاوية التنافس مع باريس ضمن حسابات التدافع بين كبيرين ضمن سلطة الإتحاد الأروبي، كونها اعتقدت أن تجفيف منابع القوة الأروبية لباريس كامن في تهميش الإهتمام بمشروع “المتوسط” (بمبادراته المتعددة منذ مشروع “ميد” إلى مشروع ساركوزي ل “الإتحاد من أجل المتوسط”).

فجأة، حين بدأت تتبدل حسابات المشروع الغربي الضخم “الأوراسية”، مع صعود قوى عالمية جديدة (من الجنوب هذه المرة)، المتمثلة في الصين بطريق حريرها المبتكرة التي اخترقت فعليا جزء من دول أروبا الشرقية، التي راهنت برلين دوما على أن تجعلها عمقها الإستراتيجي ومصدر قوتها ضمن الإتحاد الأروبي، وبالإستتباع ضمن المنظومة الغربية كلها، من واشنطن حتى موسكو. حينها فقط، بدأت تلك الأنتلجنسيا الجرمانية الجديدة، لما بعد سقوط جدار برلين سنة 1989، تنتبه إلى حاجتها الحيوية لتجسير العلاقة مع العمق المتوسطي لأروبا، حتى تضمن القارة العجوز بمؤسستها الكبرى “الإتحاد الأروبي” موقعا لها ضمن اصطخاب مصالح الكبار الجدد بالعالم. أي أولئك الكبار الذين برزوا من خارج الحسابات التقليدية “الأوراسية”. تلك الحسابات التي ولدت كما هو معلوم كنتيجة لما بعد الحرب العالمية الثانية.

من هنا، يأتي ذلك الإهتمام الألماني الجديد بملف حيوي مثل الملف الليبي، الذي فيه تدافع بين روسيا بوتين وتركيا أردوغان وفرنسا وواشنطن والصين، وفيه أدوار فاعلة لدول عربية، أبرزها تأثيرا هي قطر ومصر والمغرب. مثلما يأتي اهتمامها بملف الصحراء الغربية للمغرب، ضمن سياق تحاول من خلاله برلين أن تصدر عن صوت مختلف يحاول أن يكون “صوت أروبا” حتى في مواجهة صوت واشنطن، بدليل أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تجرأت وأعلنت موقفا رسميا من قرار الدولة الأمريكية الإعتراف بسيادة المغرب على صحرائه الغربية، بل وذهبت أبعد من ذلك بأن طالبت بعقد اجتماع لمجلس الأمن حول الموضوع.

إقرأ أيضا
DR-El-Mostafa-Rezrazi-Ni9ach21-Maroc

هنا دخلت برلين في التقاطع مع مصالح حيوية للمغرب والمغاربة، يظهر أنها في حاجة إلى إعادة تعلم شكل التعامل معها، باستحضار للحقيقة المغربية وقيمتها ضمن رقعة الشطرنج الجنوب متوسطية والمغاربية والغرب إفريقية والشرق أوسطية. لقد بادرت ألمانيا، نعم، إلى تعيين سفير جديد لها بالرباط منذ مارس 2021 (لم تتلق بخصوصه أي جواب للقبول به من قبل الرباط حتى الآن)، وهو للحقيقة شخصية ديبلوماسية رفيعة، يكفي أنه سيأتي من آخر سفارة كان بها هي باريس إلى الرباط. مثلما أنها تداركت خطأها الديبلوماسي (المتعمد من وجهة نظر الرباط) بعدم استدعاء المغرب إلى مؤتمر برلين حول ليبيا، بأن وجهت له الدعوة للحضور إلى الدورة الثانية منه، وهي الدعوة التي لم تستجب لها الرباط عمليا. وهي تعتقد اليوم، أنها فتحت كل أبواب التواصل مع بلادنا لإيجاد أرضية جديدة للعلاقات بين بلدينا، وتستغرب بقلق كيف أنه ليس هناك ولا رجع صدى واحد من العاصمة المغربية.

الحقيقة، إن ما على الأنتلجنسيا الألمانية الجديدة، التي جزء منها للجيل الجديد من الشباب الألماني في كل الأحزاب الألمانية دور مؤثر من ذوي الأصول الكردية أو التركية، ما عليها أن تستوعبه بوضوح، هو أن المغرب بلد صغير نعم ضمن فضائه المغاربي والإفريقي والغرب متوسطي، لكنه يملك أدوات مؤثرة للتحرك من أجل حسن الدفاع عن مصالحه الحيوية، التي في المقدمة منها ملف صحرائه الغربية. لأنه نجح أولا، في تنويع شركائه الدوليين الوازنين، ونجح ثانيا في إعادة هيكلة شمولية لمنظومته التدبيرية التنموية بما يتساوق وحاجيات السوق العالمية، مثلما رسخ خياره التدبيري المؤسساتي الديمقراطي (في جزء محوري منه انتهاج خيار الجهوية المحلية). فيما جسر ثالثا، علاقاته الإقتصادية والسياسية مع عمقه الإفريقي، دون إغفال أن دوره في ملف الشرق الأوسط فعال ومؤثر.

الخلاصة هنا، هي أن الرباط تنتظر من برلين مواقف وأفعال وليس مجرد إعلان نوايا في ما يرتبط بملفاتها الحيوية. وهي مواقف يجب أن تنسخ عمليا المواقف المعلنة، التي لا تزال سارية، لبرلين منذ شهور في ما يرتبط بملف وحدتنا الترابية. وللنخبة الألمانية الجديدة ما يكفي من الذكاء لحسن قراءة رقعة الشطرنج الكاملة لفضاءنا المغاربي والجنوب متوسطي والغرب إفريقي، لتبادر إلى مواقف جديدة وليس مجرد إعلان نوايا. غير ذلك يخشى أن يبقى الصمم هو الصمم في علاقات بلدينا، وأن حسن قراءة التحولات لم يتم كما يفرض له الواقع أن يكون في برلين وليس في الرباط.

انتقل إلى أعلى